ابن قتيبة الدينوري

151

تأويل مشكل القرآن

ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من السبب الذي أنزلت فيه : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) [ الكافرون : 1 ] لأنهم أرادوه على أن يعبد ما يعبدون ، ليعبدوا ما يعبد ، وأبدءوا في ذلك وأعادوا ، فأراد اللّه ، عزّ وجلّ ، حسم أطماعهم وإكذاب ظنونهم ، فأبدأ وأعاد في الجواب . وهو معنى قوله : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) [ القلم : 9 ] أي تلين لهم في دينك فيلينون في أديانهم . وفيه وجه آخر ، وهو : أن القرآن كان ينزل شيئا بعد شيء وآية بعد آية ، حتى لربما نزل الحرفان والثلاثة . قال زيد بن ثابت : كنت أكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله . فجاء عبد اللّه ابن أمّ مكتوم فقال : يا رسول اللّه إني أحب الجهاد في سبيل اللّه ، ولكن بي من الضرر ما ترى . قال زيد : فثقلت فخذ رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، على فخذي حتى خشيت أن ترضّها ، ثم قال : اكتب : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 95 ] . وروى عبد الرّزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن أنه قال في قول اللّه عزّ وجل : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] قال : كان ينزل آية وآيتين وآيات ، جوابا لهم عما يسألون وردّا على النبي . وكذلك معنى قوله سبحانه : وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء : 106 ] شيئا بعد شيء . فكأن المشركين قالوا له : أسلم ببعض آلهتنا حتى نؤمن بإلهك ، فأنزل اللّه : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) [ الكافرون : 2 ، 3 ] . يريد إن لم تؤمنوا حتى أفعل ذلك . ثم غبروا مدّة من المدد وقالوا : تعبد آلهتنا يوما أو شهرا أو حولا ، ونعبد إلهك يوما أو شهرا أو حولا ، فأنزل اللّه تعالى : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) [ الكافرون : 4 ، 5 ] . على شريطة أن تؤمنوا به في وقت وتشركوا به في وقت . قال أبو محمد : وهذا تمثيل أردت أن أريك به موضع الإمكان . وأما تكرار فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) [ الرحمن : 13 ] فإنه عدّد في هذه السورة نعماءه ، وأذكر عباده آلاءه ، ونبههم على قدرته ولطفه بخلفه ، ثم أتبع ذكر كل خلّة وصفها بهذه الآية ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ، ليفهّمهم النّعم ويقرّرهم بها ، وهذا كقولك للرجل أجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عنده الأيادي ، وهو في ذلك